سيد قطب
2865
في ظلال القرآن
اللّه في هذا التنظيم بالرضى والتسليم . ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر للّه ورسوله ، وأنه ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم . مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة . « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً » . . روي أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش - رضي اللّه عنها - حينما أراد النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يحطم الفوارق الطبقية الموروثة في الجماعة المسلمة ؛ فيرد الناس سواسية كأسنان المشط . لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى . وكان الموالي « 1 » - وهم الرقيق المحرر - طبقة أدنى من طبقة السادة . ومن هؤلاء كان زيد بن حارثة مولى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - الذي تبناه . فأراد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يحقق المساواة الكاملة بتزويجه من شريفة من بني هاشم ، قريبته - صلّى اللّه عليه وسلّم - زينب بنت جحش ؛ ليسقط تلك الفوارق الطبقية بنفسه ، في أسرته . وكانت هذه الفوارق من العمق والعنف بحيث لا يحطمها إلا فعل واقعي من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - تتخذ منه الجماعة المسلمة أسوة ، وتسير البشرية كلها على هداه في هذا الطريق . روى ابن كثير في التفسير قال : قال العوفي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : قوله تعالى : « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ » . الآية . وذلك أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة - رضي اللّه عنه - فدخل على زينب بنت جحش الأسدية - رضي اللّه عنها - فخطبها ، فقالت : لست بناكحته ! فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « بلى فانكحيه » . قالت : يا رسول اللّه . أؤامر في نفسي ؟ فبينما هما يتحدثان أنزل اللّه هذه الآية على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً » . . الآية . قالت : قد رضيته لي يا رسول اللّه منكحا ؟ قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « نعم » ! قالت : إذن لا أعصي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قد أنكحته نفسي ! وقال ابن لهيعة عن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : خطب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - زينب بنت جحش لزيد بن حارثة - رضي اللّه عنه - فاستنكفت منه ، وقالت : أنا خير منه حسبا - وكانت امرأة فيها حدة - فأنزل اللّه تعالى : « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ . . . » الآية كلها . وهكذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان أنها نزلت في زينب بنت جحش - رضي اللّه عنها - حين خطبها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على مولاه زيد بن حارثة - رضي اللّه عنه - فامتنعت ثم أجابت . وروى ابن كثير في التفسير كذلك رواية أخرى قال : وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : نزلت في في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط - رضي اللّه عنها - وكانت أول من هاجر من النساء - يعني بعد صلح الحديبية - فوهبت نفسها للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال : « قد قبلت » . فزوجها زيد بن حارثة - رضي اللّه عنه - ( يعني واللّه أعلم بعد فراقه زينب ) فسخطت هي وأخوها ، وقال : إنما أردنا رسول اللّه - صلّى اللّه
--> ( 1 ) قد تطلق هذه الكلمة على غير هذه الطبقة . فقد كانت قبيلة تكون موالي قبيلة ، تنصرها ، وتتكافل معها في الديات والتعويضات . على غير معنى الرق والعتق .